مقالات

معلومات حول قدوم ولد الشّين إلى الحوض

بقلم: د/ محمد محجوب ولد إسلمُ بن بيّه

كثُر السؤال عن تاريخ قدوم سيبويه زمانه وخليل أوانه، شيخ العربية ومحيي علومها، المرابط محمدُ السّالم ولد عبد الله ولد حبيب الله ولد الشّين الدّكوجي الحميري نسبا الحسني خؤولة، إلى الحوض وسبب توطّنه فيه.

وقد نقل بعضُ الفضلاء روايةً منكرةً مُفادها أن ذلك وقع سنة 1946.
ولما كان التّكرار قد يحيل الخطأ صوابا، إن لم يجد من المستمعين جوابا، بدا لي أن أقيّد ما ثبت عندي بنَقْلِ التواتر ورواية الثقات، والأدلة القطعية والقرائن الحسية، حَسْما للخلاف وتقريرا للحقيقة التاريخية، وتبركا بمن يرد ذكرُهم في معرض الحديث من الصالحين.

لماذا 1946 مستحيلة؟
فأقول أوّلا إنّ التواريخ المذكورة يُعْرفُ فسادُها يقينا بما هو معلوم لدى أهل الحوض بالآثار المحفوظة والمآثر المنقولة، من أن مَقدم المرابط محمدُ السّالم كان في حياة الشيخ محمد محمود ولد خطاري ولد أحمد زيدان ولد الطالب محُمد ولد بَيّه رضي الله عنه المتوفى سنة 1919، وهي السنة المعروفة لدى العامة بـ”عام المغواس”.
وقد مدح المرابط الشيخ محمد محمود وقومه بقصائد كثيرةٍ حتّى اجتمع له من مدحه ديوانٌ على كلّ حروف المعجم، وما زال الأدباء يروون كثيرا من هذه القصائد. فمن أول ما مدحه به حين مقدمه عليه قصيدة مطلعها:
طرقت سواهمَ كالعصيّ هـجودا أسماءُ واجتابت غياهب سودا
عجبا لها كيف اهتدت لي بعدما أرخى الظـلامُ بـراجدا وبُـرودا
إلى أن يقول:
سَمَّوْهُ إذْ جمع المحامد والعلا والمكـرمـاتِ محمّدا محمودا
آلى الزمانُ بأنْكَ واحدُ دَهْرِهِ وبأنّ مثلك لم يكن موجودا
وبأنك المصمود في ضراءَ لَمْ يَجِدِ الأنامُ لكشفها مصمودا
وله في قصيدة أخرى يذكر زاوية الشيخ عند “لغويرقة”:
إن العميقة الغرا التي قدما هذا الولي عليها غوث من عدما
تاهت بمقدمه الميمون طائره على البلاد وحازت فوقها شَمَما
إلى أن يقول:
خَصَصْتُكم واثقا بين الورى بكم برِحْلَتي إذ رحلتُ الأيْنُقَ الرُّسُما
وفي هذا البيت يشير إلى أنه قَدِم إلى الحوض متوجّها إلى هدف محدّد وقصدٍ معلوم وهو زيارة الشّيخ محمد محمود ولد بيه، ولم يأت على عمى ولا قذفه التطوافُ سُدى.
وبيان قصة مجيئه ما رويته عن الثقات أن الشيخ محمد محمود ولد بيه أرسل ابنَ عمه ومُريدَه الشيخ المحفوظ ولد بيه – وهو حيئنذ ما يزال في ريعان الشّباب، أرسلَه إلى أهل الشيخ المهدي، في بعض شؤونه.
وفي هذا الَحيّ من الأشراف تعرّف الشيخ المحفوظ على المرابط محمدُ السالم ولد الشين الذي كان قد وفدَ عليهم معتفيا الكرامَ وطالبا جداهم، ووصلا لما هو معروف من الرحم بينه وبينهم.
ولما شاهد الشيخ المحفوظ تبحّر المرابط في العلوم ورسوخ قدمه، تعلقت نفسه بقربه وضنّت به، فدعاه إلى زيارة شيخه الشيخ محمد محمود، فيقال إنه أجابه على وفق لسان قومه “لا حشمنا الله هذي الايد إلى ايلاه مزال فيها حد ينقاس !” فقال “نعم إن جئت شيخي نلت ما ترجوه من التكريم والتبجيل”.
وكان شيخنا الشيخ محمد محمود ذا همة عالية وعناية فائقة بالعلم ونشره، يجمَعُ العلماء من كل حدب وصوب ويجري لهم المرتبات، ويغدق عليهم بالإكرام، ويدعو الناس إلى النهل من علومهم، وقد استقطب عددا كبيرا من علماء كافة الجهات ومنهم من المنطقة الغربية الشيخ محمد محمود ولد أفلواط اليعقوبي والشيخ محمدو ولد متالي الحسني وغيرهما. وهذا ما أشار إليه المرابط محمدُ السالم في مرثيته له حيث يقول:
جزاك ربُّك من جَلَّتْ مثوبتُه عن صالحاتٍ من الأعمالِ أشتاتِ
عن المدارس تبنيها وتعمُرها للطّـالبـين بأنــواع القراءات
وهكذا قدم المرابط إلى زاوية الشيخ محمد محمود ولد بيه في لغويرقة في ضاحية تنبدغه الجنوبية، حيث استقبل بالإكرام والإحسان، فألقى عصا الترحال، وأصبح أستاذ علوم العربية في المحظرة الجامعية، وقد تخرّج على يده الشيخ المحفوظ ولد بيّه وفئام آخرون من أبناء المنطقة.
وإلى هذه القصة يشير المرابط محمدُ السّالم نفسُه في أبيات له من آخر شعره قالها في توديع الشيخ المحفوظ بعد تقاعده من القضاء في تنبدغه، سنة 1964:
يا لهف نفسي إن الشيخ محفوظُ كما تلهّف شاج القلب مكظوظُ
همّ الزيالَ وصرفُ الدهر ذو غِيَرٍ تبدو الأعاجيبُ منه والمواعيظُ
زال الجميلُ وقد زال الكفيل بإيــ ضاح العويصات ذاك الشيخ محفوظُ
لولاه ما وطئت ذا الحوض لي قدمٌ كذلك الودُّ مكتوم وملفوظُ
وكفى بهذا البيت الأخير شاهدا، على أنّ الشيخ المحفوظ هو الذي استقدَم المرابط إلى الحوض وجاء به إليه.
فيتبيّن من كلّ ذلك أن المرابط محمدُ السالم ولد الشّين قدم قبل وفاة شيخنا الشيخ محمد محمود سنة 1919 بمدة طويلة يتسنى له فيها أن يقرض ما قرضه من القصائد العصماء التي لدينا منها الكثير.

قرائن وفوائد:
أحسب أن في ما ذكرناه كفايةً وغناءً عن الإطناب بمزيد من القرائن، ومع ذلك وتكثيرا للفائدة، سأضيف بعض الأمور الثانوية:
– منها أن المرابط مدح ورثى أعلاما من أهل الحوض توفوا قبل هذا التاريخ منهم:
• الولي الشهير والعالم الجليل الشيخ التراد ولد العبّاس المتوفى سنة 1945.
• رئيس قومه الشهير محمد ولد عبدي ولد الجيد المتوفى سنة 1942. وقد رثاه بقصيدة محفوظة مطلعها:
ركن المكارم والعليا قد انهدما * وحُقَّ للعينِ أن تذْر الدموعَ الدما
• رئيس الحوض اعلي ولد محمد محمود ولد لمحيميد المتوفي سنة 1943. وقد رثاه بطلب من شيخنا الشيخ المحفوظ، حيث لم تكن له مخالطةٌ لأهل الشوكة، عكس ما ورد في الترجمة المذكورة.
– ومنها أنه وقع بينه وبين بعض أعلام الحوض المشهورين ممّن تُوُفُّوا قبل سنة 1946 مكاتبات ومناقضات ومنهم:
• الشيخ الجليل محمد المختار ولد الفقيه محمد يحيى الولاتي، وقد وقعت بينهما مباحثة علمية، حول الجيم أبان فيها المرابط عن تمكّنه في عِلْمَيْ المنطق والوضع، وفي ضمن هذه المباحثةِ أرسل إليه قصيدتَه الزائيّة المشهورة:
يا راكبا يقصد النعماء ممتطيا جَأْبَ الذّراعَيْنِ أقْنَى الصُّلْبِ مُكْتَنِزا…
والشيخ محمد المختار ولد الفقيه توفي رحمه الله يوم 11 مارس 1933 كما في التقارير الفرنسية.
• أبناء أعمر دكره المرجويّون، العالم الجليل محمدُ وأخوه الشيخ بايْ، وقد وقعت بينهم مهاجاة معروفة لدى الأدباء من أهل الحوظ، وبالمناسبة نذكّر أن سببها هو انتصار المرابط محمدُ السالم ولد الشين للشيخ افّاه ولد الشيخ المهدي في ما وقع بينه وبين أهل اعمر دكره في شأن الحموية. ولذلك قال المرابط في طائيته:
وذلكَ جرّا أنني قلتُ مادحا شريفا له في الصالحين توسّطُ
وتقول الراوية المسندة بنقل الثقات أن الشيخ المحفوظ عندما التقى بالمرابط في حي أهل الشيخ المهدي وجد في الحيّ الشيخ افاه ولد الشيخ المهدي والشيخَ – عَلما ووَصْفا – ولد يُوسف الغظفي، ووقعت بينهم مباحثات في أحكام المجاذيب.
وفي هذا دليل – إن احتاج الأمر إلى دليل لشهرته- إلى أن لقاء المرابط بالشيخ افاه كان في الحوظ قبل منفاه المشهور الذي وقع سنة 1928.
متى جاء المرابط؟
فإذا تمهّد أن المرابط جاء قبل سنة 1919م، فاعلم أنّ التاريخ الصحيح لمقدمه هو سنة 1912، كما نص عليه الجِلّة والعُدول من تلاميذه، وقد وجدت هذا التاريخ مذكورا في وثيقتين:
• فأما الأولى فبكتابة عمي الفقيه محمد بن محمد المختار بن بيه رحمه الله وكان من خاصة تلاميذ المرابط، حيث يسكن المرابط في بيته في تنبدغه المددَ الطّويلة، يدرّسه علوم العربية، وقد كتب مؤرخا لوفاته، أنه “قدم الحوض وعمره نحو أربعين سنة وأنه مكث فيه خمسا وخمسين سنة” ولما كان المرابط قد توفي سنة 1967، فيحصل من ذلك أن مقدمه للحوض كان سنة 1912.
• والوثيقة الثانية هي الترجمة الموجزة التي وضع تلميذه الأستاذ سيدات ولد باب ولد الشيخ المصطف الأبييري، وقدّم بها لديوانه الذي جمعه، حيث ورد فيها ما نصه” ثم رحل من أرضه ومسقط رأسه دائرة الترارزة إلى دائرة الحوض الشرقي ونزل أول قدومه بالسيّد الشيخ محمد محمود بن بيه حاتم زمانه وهرم دهره وأوانه المعروف بالتصوَّف والصلاح والسخاء عند موضع يدعى لقويرقى على بعد سبعة أميال من مدينة تنبدغه جنوبا، وكان ذلك إبان شبوب الحرب العالمية الأولى قبلَها بسنتين أي سنة 1912 “. وهذه الترجمة منشورة على مكتبة فريبورغ لمن أراد الرجوع إليها.
• يضاف إلى هذا ما حدثني به الأستاذ محمد الشيخ ولد محمد ولد بيه عن الأستاذ الحسين ولد إبراهيم وهو من تلاميذ المرابط أنه حين دراسته عليه في تنبدغه أخبرَه أنّه قَدِم الحوض عام وفاة الفقيه محمد يحي الولاتي، وذلك كما في حوليات ولاته 1912.
ولمزيد من أخبار المرابط محمدُ السالم بن الشين في الحوض، أحيل القارئ الكريم إلى كتاب “أتذكر ذكريات وخواطر” لسعادة الدكتور محمد المحجوب ولد بيه، إذ أتى بكثير منها بأسلوب أدبي ماتع.

يستبيلها ويشتبيلها:
وأما القصة المذكورة حول بيت الفرزدق فلا يخفى ما فيها من أثر الصنعة، وإنما روينا عن مولانا الشيخ الإمام – حفظه الله ونفعنا به- أن البحث وقع في مجلس شيخنا الشيخ المحفوظ مطلع الخمسينيات في لفظة من قول الفرزدق:
وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي … كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها
وسبب البحث وقوفهم على رواية انفرد بها الدميري في حياة الحيوان الكبرى بالشين:
كساع إلى أسد الشرى يشتبيلها
وفي المجلس إمام العربية الأستاذ المرابط محمدُ السّالم ولد الشّين وبحضرة طلبة المحظرة الكبار، فوقعت المباحثة في توجيه هتين الروايتين، وفرض الأوجه الممكنة للتمرين والتدريب، وبيان الأوجه المقيسة والأخرى التي فيها شذوذ.
وملخص البحث أن الوجه المشهور والراجح هو أن يستبيلها بمعنى يطلب أبوالها، قال في اللامية: “باستفعل اطلب” الخ، وهذا الوجه هو الذي ذكره الأنباري وصاحب الصحاح واللسان والتاج، ويقوّيه أيضا البيت الذي بعده، كما في الأغاني،
ومن دوِن أبوالِ الأسود بَسالةٌ وبَسْطةُ أيدٍ يمنَع الضَّيمَ طُولُها
ومن هذا المعنى قول الأحوص، كما في ذيل البكري على الأمالي – وللمرابط على الذيل حواش تعقّبه فيها تأييدا للقالي:
وإن الذي يجري لسخطي وريبتي لكَ الويلُ ريحَ الكلب إن كنتَ تعقِلُ
لكالمُسْتَبيلِ الأُسْدَ والموتُ دون ما يحاول من أبوالها إذ تَبَوَّلُ
وأما على رواية الشين التي انفرد بها الدميري فلا يسلم الكلام من مخالفة للقياس، فإن “يشتبيلها” بمعنى يطلب أشبالها، المقيس فيها أن يقال يشتبلها، ولكن يتجّه أن يكون من الإشباع، وقد ورد في كلام العرب أيضا إشباع الحركات -على الضرورة الشعرية، ومنه قول الشاعر:
وأنني حيثما يثن الهوى بصري من حيث ما سلكو أدنوا فأنظورُ
وفي رواية السين وجه معلول آخر وهو أن تكون يستبيلها بمعنى يعتبرها إبلا، إذ من معاني استفعل التحويل قال في اللامية ” باستفعل اطلب تحوّل”، كما في قول العرب ” استنوق الجمل”، ولكن القياس أن استفعل من الإبل ينبغي أن تكون يستيبلها، فعلى هذا الوجه يكون قد وقع في بيت الفرزدق قلب مكاني. والقلب المكاني ظاهرة وقعت في اللغة العربية كثيرا، حيث يقع فيها نقل حرف من موضعه في الكلمة إلى موضع آخر كنقل لام الفعل لتصير عينه، أو غير ذلك. وهو كثير جدا، وللمرابط فيه نظم يقول في أوّله:
الحمد لله وأما بعدُ فنظم مقلوب اللغات القصد
وهو مجال واسع للعرب يُعْنى بحفظه الفتى ذو الأرب
لم أره مصنفا لذي هُدى وإنما جمعتُهُ وهو سُدى
قد يوجدان وهما أصلانِ بكثرة التصريف يُعرفان
وراجحُ التصريفِ أصلٌ والذي قد قلَّ في التصريف فرعٌ احتذي
كأونق في أنوق وءابُر في أبؤر وآدر في أدؤر
والوله الجزع وهو الوَهَلُ والوصفُ منه والِهٌ ووَهِلُ
وفي المسألة أوجه أخرى مقيسة وغير مقيسة لا نطيل بذكرها. والله عزّ وجلّ أعلم وأحكم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق